الفصل الأول : فتاة القرية



 


ولدتُ في قرية صغيرة، لم تكن تحوي سوى الأشجار والحقول، والحيوانات الأليفة، وطبيعة آسرة تخلب الأبصار. أعيش مع عائلتي المتواضعة: أبي وأمي، وأخي الصغير، وأنا.

كان الصباح الباكر موعدنا مع رحلة إلى السوق، أنا وأبي، لنبيع الحليب الطازج من بقرتنا العزيزة. وفي يوم من الأيام، مرّ بنا رجل في منتصف الثلاثينيات من عمره، وكان يتبين عليه الثراء الفاحش. اقترب من أبي وسأل:

  • "بكم هذا الحليب؟"

  • "خمسة دنانير، يا سيدي." أجاب أبي.

  • "إنه مبلغ زهيد." قال الرجل.

  • "هذا هو سعره في السوق يا سيدي."

  • "حسناً، أريد الحليب."

أعطاه أبي الحليب وأخذ النقود، وقبل أن ينصرف، رمقني بنظرات غريبة ومليئة بالفضول، شعرت معها برعشة غامضة لم أفهمها.

بعد ساعات من العمل الشاق في السوق، عدنا إلى المنزل ومعنا بعض المال. قال أبي بحنان:

  • "اذهبي وارتاحي يا ابنتي جوليت."

استلقيت قليلاً على سريري الخشبي، ونادتني أمي:

  • "جوليت، تعالي لتتناولي العشاء يا ابنتي."

كان عشاءنا المعتاد: حساء البطاطا مع خبز فرنسي وقطعة من الجبن الفرنسي اللذيذ. جلست وأشعر بالراحة المؤقتة، لكن قلبي لم يهدأ بعد.

في اليوم التالي، شعر أبي بالتعب، فقرر البقاء في المنزل. كان الذهاب وحدي إلى السوق شاقًا جدًا. أثقلت عربة الحليب كاهلي، وكنت أشعر بحرقة الشمس على وجهي، لكن لم يكن أمامي خيار سوى الاستمرار. بعد ساعة من المشي المتواصل، وصلت إلى السوق وجلست في مكاني المعتاد.

ناديت بصوتٍ عالٍ:

  • "من يريد الحليب الطازج؟ خمسة دنانير فقط!"

توافد الناس على عربتي، لكن فجأة ظهر نفس الرجل الذي رأيته بالأمس. ابتسم وسأل:

  • "مرحبًا، ما اسمكِ؟"

  • "مرحباً سيدي، اسمي جوليت. هل تريد بعض الحليب؟"

  • "لا شكراً. أين أبوكِ؟"

  • "ولماذا تسأل عنه؟"

  • "بدون سبب، فقط لأنه رجل طيب، اشتريتُ منه بالأمس حليباً."

  • "حسنًا، والدي متعب قليلًا في المنزل."

  • "شكرًا، سأذهب الآن."

  • "انتظر، ما اسمك سيدي؟"

  • "اسمي توماس."

  • "شكرًا لك سيدي، وإلى اللقاء."

عدتُ أجرّ عربتي نحو البيت، وقلبي يثقل بالقلق على أبي. فجأة، سمعتُ صوت بكاء أمي، فتسارعت خطواتي حتى دخلت البيت، وإذا بها تبكي بحرقة:

  • "أبوكِ لا يتحرك ولا يتكلم منذ ساعة! ماذا أفعل؟ جوليت، أسرعي وأحضري الطبيب!"

ركضت نحو منزل الطبيب آرثر، وطرقت الباب بقوة:

  • "دكتور! يا دكتور! افتح الباب أرجوك!"

فتح الطبيب الباب، وعيناه تحملان القلق:

  • "ما بكِ يا جوليت؟"

  • "أبي مريض منذ الصباح، وعندما عدتُ أخبرتني أمي أنه لا يتحرك ولا يتكلم. أرجوك يا دكتور آرثر، ساعدني!"

  • "حسناً يا ابنتي، سألحق بكِ بسرعة ومعي حقيبة الإسعافات الأولية."

وصلنا إلى المنزل، ودخل الطبيب مسرعاً إلى غرفة أبي. قال:

  • "اخرجا حالاً!"

خرجتُ أنا وأمي، بينما جاء أخي الصغير يبكي خوفًا، فاحتضنته وأنا أشعر بالمرارة والحزن يلتهم قلبي. أمي كانت تمشي يمينًا ويسارًا، تدعو الله أن يكون كل شيء بخير، ودموعها تسيل بلا توقف.

بعد لحظات، خرج الطبيب وقال للأسف:

  • "زوجكِ مشلول، لا يتحرك ولا يتكلم."

انهارت أمي باكية:

  • "لا! أرجوك لا تقول هذا! من سيطعم أطفالي؟ حالتنا على قد الحال!"

بكيتُ أنا أيضًا، شعور بالعجز يملأ قلبي. لكن احتضان أمي لي ولأخي أعاد بعض القوة. قالت:

  • "لا تقلقي يا ابنتي، سأعمل وأنتِ اعتني بأبي وأخيك في غيابي."

  • "حسناً يا أمي."

مرت الأيام، وكنت أعتني بأبي وأخي الصغير، بينما ذهبت أمي إلى السوق لتبيع الحليب. بعد شهر، شعرت بدوار شديد قبل أن تذهب أمي، وأُغمي عليّ من التعب. قلت لها:

  • "أمي، ارتاحي اليوم، سأذهب أنا للسوق."

  • "لا يا جوليت، لن تذهبي."

  • "أرجوكِ يا أمي، دعيني أذهب."

وافقت على مضض، واستلقت على السرير، بينما ذهبتُ وحدي إلى السوق، والقلق يثقل قلبي مع كل خطوة.

تعليقات