الفصل الثالث على اعتاب قرار

 


الفصل الثالث: على أعتاب قرار 

مرت بضعة أيام على لقائي بتوماس، وقلبي لا يزال مضطربًا. كنت أراقب أمي وهي تمارس حياتها اليومية بحذر، وأفكر في كل كلمة قالها الرجل الغريب في تلك الأيام الماضية. فجأة، سمعت طرقات عند الباب، خفيفة لكنها جعلت قلبي يقفز من مكانه.

ركض أخي الصغير ليفتح الباب، ووقف أمامه رجل أنيق المظهر، يرتدي ملابس نظيفة ومرتبة.

"مرحبًا بكَ يا سيدي… من أنت؟" سأل أخي بخجل.

ابتسم الرجل بهدوء وقال: "أنا خادم السيد توماس، وجئت لأوصل رسالة إلى والدتك."

صرخ أخي متحمسًا: "أمي! هناك رجل غريب عند الباب!"

خرجت أمي مسرعة، وعيناي تتابعها بقلق. حين رأت الرسالة، لمع الأمل في عينيها. أمسكت بالظرف بيدين مرتجفتين، وفتحتْه ببطء. الدموع تساقطت على خديها، دموع فرح صافية، تفيض بالشعور بأن شيئًا عظيمًا على وشك الحدوث.

"جوليت! جوليت!" صاحت وهي تحتضنني بقوة. "والدك سيشفى يا عزيزتي!"

تجمدت في مكاني، وارتجف قلبي من الفرح، ودموعي انهمرت على وجنتي. "كيف… كيف يا أمي؟ هل حقًا؟"

أعطتني الرسالة: "اقرئيها بنفسكِ… إنها من توماس."

مسكت الرسالة، وبدأت كلماتها تتدفق أمام عينيّ، كل حرف يشبه صاعقة من المفاجأة. بعد لحظات من الصمت، قالت أمي بصوت مرتجف: "لقد طلب منا توماس أن نذهب إلى منزله غدًا."

أحسست بصدمة، ثم قلت وأنا أحاول السيطرة على نفسي: "نعم يا أمي، سنذهب… لكن كيف نترك والدنا؟ ألا يمكن أن يأتي الطبيب إلى منزلنا؟ هذا سيكون أفضل."

ابتسمت أمي بهدوء مطمئن: "ثقِي بي يا جوليت، كل شيء سيكون على ما يرام. سأخبر والدك."

قلبي لم يهدأ. كيف نثق بشخص غريب إلى هذا الحد؟ يا إلهي، ماذا أفعل؟

بعد تفكير عميق، اتخذت قرارًا شجاعًا. لن أذهب معهم، سأذهب بنفسي لأخبر توماس أننا لن نذهب، وأنني أفضل أن يأتي الطبيب إلى منزلنا.

قلت لأمي بثقة: "لا تقلقي، سأذهب الآن." خرجت من المنزل بسرعة، وقلبي يخفق بشدة وأنا أركض نحو منزل توماس.

في الطريق، رأيت عربة حليب يجرها رجل كبير في السن، يحرّك الحمار ببطء.

"يا سيدي! هل يمكن أن توصلني؟" ناديت وأنا ألهث.

توقف الرجل العجوز، ونظر إلي بعينين دافئتين: "ماذا تريدين يا ابنتي؟"

"أريد الذهاب إلى منزل توماس… هل تعرفه؟"

ابتسم بحنان: "نعم، إنه رجل كريم. لقد ساعدني كثيرًا في عملي. سأوصلكِ بالتأكيد."

ركبت العربة، ويدي تمسك الرسالة بإحكام، وقلبي يتسارع. بدأت أتأمل في كلمات الرجل العجوز عن طيبة توماس وكرمه، بينما يسرح عقلي في احتمالات اللقاء القادم.

بعد لحظات، توقفت العربة. قطعت أفكاري وقال العجوز: "وصلنا يا ابنتي."

"شكرًا لك يا سيدي." همست وأنا أنزل بسرعة.

ركضت نحو الباب وقرعت عليه بقوة: "سيدي توماس! توماس!"

فتحت الخادمة الباب بهدوء، وعينها تراقبني بعناية: "ماذا تريدين؟ من أنتِ؟"

"أريد رؤية السيد توماس… قولي له اسمي جوليت، هو يعرفني."

ابتسمت الخادمة: "حسنًا، تفضلي."
ثم اتجهت نحو المكتب، وطرقت الباب: "سيدي، هناك سيدة عند الباب تريد مقابلتك، اسمها جوليت."

أجاب توماس بهدوء عميق: "أدخليها على الفور."

عادت الخادمة إليّ: "تفضلي، مكتب السيد توماس."

تقدمت بخطوات مترددة، وقلبي يخفق بشدة. كنت أعلم أن لقاءنا هذه المرة لن يكون كما السابق… شعور غريب من الترقب والتوتر يملأ أجواء الغرفة، وكأن شيئًا مهمًا على وشك أن يتكشف.

تعليقات