الفصل الثاني : لمسة غريب تُعيدني إلى الحياة

 




الفصل الثاني: لمسة غريب 

ذهبتُ إلى السوق أجرّ عربة الحليب، وقد أثقل التعب كاهلي. كانت الشمس تلقي أشعتها الحارقة على ظهري، والعرق يسكب على وجهي. وقفت في مكاني المعتاد، أبيع الحليب بحذر، حتى نفد كل ما معي، وفجأة اجتاحني دوار شديد، ثم غاب وعيي وسقطت أرضًا بلا شعور.

حين فتحتُ عيني بعد ساعات، وجدت نفسي في غرفة فخمة ومرتبة، يعبق المكان برائحة حساء دافئ. شعرت بخجل وارتباك، ويداي تمسكان اللحاف بقوة. كنت أراقب كل زاوية من الغرفة، من المزهرية التي تحمل زهور الجوري إلى الأثاث اللامع، وكل شيء يبدو غريبًا علي.

جلس توماس على كرسي بجانب الطاولة، ينظر إليّ بابتسامة هادئة.

  • "اهدئي يا جوليت، لم يحدث ما يدعو للقلق. كنتِ على وشك الانهيار، فصادفتك في طريقي وحملتك إلى بيتي. كانت حرارتك مرتفعة جدًا."

احمرّ وجهي خجلاً، وتمتمت:

  • "وكيف حملتني دون إذني؟ وأين عربة الحليب؟"

ردّ بعطف ممزوج بالجدية:

  • "حملتك لأنني إنسان قبل كل شيء، لم أقصد سوى مساعدتك. أما عربتك، فقد أحضرها خادمي، وهي الآن أمام المنزل."

انحنت رأسي بخجل، وتمتمت بصوت خافت:

  • "شكرًا لك… توماس."
    ابتسم وقال:

  • "لا داعي للرسميات، فقط قولي توماس."

اقترب وجلس على طرف السرير. ارتجفت، ووضعت وسادة أمام وجهي خوفًا، فسألته بارتباك:

  • "ماذا تفعل؟"
    مدّ يده إلى جبيني وقال برفق:

  • "اطمئني، أردت التأكد من انخفاض حرارتك. الحمد لله، حالتك أفضل."

شعرت بدفء غريب في كلماته، لكن مناداته لي بـ"ابنتي" أربكني، وراودتني أسئلة: لماذا يشعرني بالأمان؟ ولماذا هذه العاطفة الغريبة تجاه شخص غريب؟

قطع الصمت صوته:

  • "جوليت!"

  • "نعم؟" أجبت بتوتر.

  • "بماذا كنتِ تفكرين؟"

  • "كنت أفكر في العودة إلى المنزل… أمي حتماً قلقة." حاولت النهوض، لكنه أوقفني:

  • "لا تذهبي الآن…"

في تلك اللحظة، دخلت صوفي زوجته حاملة صينية حساء ساخن، وابتسمت قائلة:

  • "أعددتُ لك حساءً شهيًا، عليك أن تتناولي بعضه."

ترددت:

  • "شكرًا لك، لكن ربما أتأخر على أمي."
    أمسكت بيدي بلطف:

  • "اجلسي، لن يضرك القليل."

انصعت بخجل، وتناولت الحساء حتى آخر قطرة. ابتسمت لها:

  • "لذيذ جدًا، شكرًا لك سيدتي صوفي."
    قهقهت بلطف:

  • "صوفي فقط، لا داعي للرسمية."

تبادلا نظرات خفية، وأنا أحسست بغموض حول ما يخفون، كيف يعيشون، وما الذي يجعلهم هكذا حريصين علي؟

بعد قليل، قررت العودة إلى المنزل، وأصرّ توماس على مرافقتي:

  • "لن أسمح لكِ بالذهاب وحدك، الليل خطير."

ركبت العربة، وكنت على وشك التعثر، فأمسكني من يدي بسرعة. ارتجف قلبي، وهمست بخجل:

  • "شكرًا لك."
    ابتسم وقال:

  • "انتبهِي في المرة القادمة."

وصلنا إلى المنزل، وأسرعت أمي لتعانقني بدموع القلق:

  • "أين كنتِ يا جوليت؟"
    قصصت عليها كل ما حدث، وما فعله توماس وصوفي.

جلس توماس معنا، وسأل عن حالة أبي، ثم قال بثقة:

  • "أعرف طبيبًا ماهرًا في فرنسا لعلاج الحالات الصعبة، وسأتكفل بجميع المصاريف."

انبثقت في قلبي أسئلة غريبة: لماذا يفعل كل هذا من أجلنا؟ ما الذي يريده حقًا؟

ابتسم وهو ينهض مغادرًا:

  • "العفو، هذا واجبي."




دعينا نعيش اللحظة مع جوليت.

تخيلي معي... بعد كل هذا التعب، تستيقظين على رائحة حساء شهي، وتجدين نفسكِ في غرفة فخمة ومرتبة، لم تري مثلها من قبل. كل شيء حولكِ يبدو فاخراً، من المزهرية التي تحمل زهور الجوري، إلى الأثاث الذي يلمع تحت ضوء النهار.

وهذه الصورة ليست مجرد صورة، بل هي نافذة على اللحظة التي قدمت فيها جوليت الشاي لتوماس في منزلها المتواضع. تخيلي التباين بين فنجان الشاي البسيط على الطاولة الخشبية المتهالكة، وبين عالمه الذي لم تعهده بعد.

الآن، أخبرينا... كيف تتخيلين شكل منزل توماس من الداخل؟ شاركينا رأيكِ في التعليقات.

تعليقات