الفصل الرابع صرخة الإصرار




دخلتُ المكتب بخطوات بطيئة، مترددة، وكأنني أسير نحو مصير مجهول. كانت عيناي مثبتتين على الرسالة التي قبضتُ عليها بعناد. سُمع صوت توماس الهادئ يكسر الصمت الثقيل: "تفضلي بالجلوس يا جوليت."

جلستُ بهدوء مصطنع على الأريكة. سألني عن مشروبي، فاخترتُ كوباً من القهوة. نادى الخادمة طالباً كوبين، ثم عاد بنظره الحاد إليَّ، عيناه مثبتتان على الظرف الذي بين يدي.

قال توماس بنبرة حاولت أن تبدو هادئة لكن الغضب يلوح فيها: "ماذا تريدين يا جوليت؟" رفعتُ الرسالة ورميتها على المكتب بقوة مفاجئة. صرختُ: "أنتَ مَن يريد!"

بدأ الحوار بحدة حول ترتيبات العلاج. قلتُ: "من الصعب أن آتي إلى منزلكَ. من الأفضل أن يأتي الطبيب إلى منزلنا." أجاب توماس بجفاف: "أخبرتُ الطبيب بكل شيء، وأصرَّ على أن يكون العلاج في مساحة أكبر. فضَّلتُ منزلي، إنه أكبر." وأشار بيده حول المكتب كدليل.

صرختُ بغضب: "أنتَ تستهزئ بمنزلي الصغير!" نفى سريعاً: "لا، لا يا جوليت! أخبرتكِ ما قاله الطبيب لي فقط."

دفعتُ بيدي على الطاولة ووقفتُ. "اسمع يا توماس، أنا لا أريد الجلوس معك في نفس المنزل. نحن لا نعرفكَ! لن أثق بكَ، وما زلتُ أتساءل بغضب: ما هي غايتكَ الحقيقية من وراء هذه المساعدة؟"

تحول وجه توماس إلى جفاء مريع. "لن أسمح لكِ برمي الشكوك عليّ! أخبرتكِ أنني أساعد المحتاجين فقط." ثم أطلق حكمه النهائي بلهجة لا تقبل الجدل: "هذا القرار ليس لكِ، بل لوالدتكِ وحدها."

صحتُ به: "أنتَ مخادع يا توماس!"

وفي لحظة، فقد توماس سيطرته. امتدت يده وأمسكت معصمي بقبضة فولاذية مؤلمة.ن أسمح لكِ باتهامي بالمخادع يا جوليت! التزمي حدودكِ معي!" تأوَّهتُ من الألم، صرختُ: "فك يدي، إنها تؤلمني!" أفلت يدي أخيراً، تاركاً ورائه شعوراً بالخطر لم يسبق له مثيل.

اندفعتُ نحو الباب. اصطدمت بالخادمة التي كانت قادمة، وسُمع صوت تحطم فنجان القهوة على الأرض، لكنني لم أبالِ. خرجتُ أركض، والدموع تحجب رؤيتي، والخادمة تقف مصدومة لا تدري ما حدث.


ركضت جوليت بعيداً عن المنزل، لاهثة الأنفاس. توقفت أخيراً، مسحت دموعها ببطء، لكن هذه المرة لم تكن تمسح حزناً، بل غضباً خالصاً. همست لنفسها بقوة: "لن أسمح لكَ يا توماس. لن أثق بكَ أبداً مهما حدث." لقد تحول الخوف إلى إصرار.

عندما وصلت إلى المنزل، استقبلتها والدتها ماريا بقلق واضح: "أين كنتِ يا جوليت؟ لقد قلقتُ عليكِ." أخبرتها بكل تفاصيل مواجهتها مع توماس.

قالت ماريا بقرار حاسم لا يقبل النقاش: "خلاص يا جوليت. لقد وافق والدكِ وسوف نذهب إلى منزل توماس. أنا المسؤولة عن هذا القرار."

نظرت جوليت إلى والدتها بعينيها تصرخان بالرفض واليأس، لكنها لم تستطع سوى أن تبتلع غصتها وتتمتم: "موافقة." كانت هذه الكلمة إعلاناً مرغماً لبداية صراع لم تختره.

تعليقات