الفصل السابع: وقت الحقيقة

 





الفصل السابع: وقت الحقيقة


حلّ المساء، واجتمع الجميع على طاولة العشاء. الأجواء كانت هادئة على غير العادة، فلا أحد يتحدث كثيرًا، ولا يُسمع سوى أصوات الملاعق وهي تطرق على الصحون.

أما والدا جوليت، فكانا يتناولان طعامهما في الغرفة بسبب حالتهما الصحية.


جلست جوليت صامتة، شاردة الذهن، لا تنظر إلى توماس ولا تتحدث مع صوفي، بل كان اهتمامها كله منصبًّا على أخيها الصغير دانيال.

أما توماس فكان يأكل بهدوء تام، يراقب كل شيء دون أن يتكلم.

وصوفي كانت غارقة في أفكارها، تتساءل في سرّها: هل عليها أن تفتح الحديث مع توماس مجددًا؟ أم تؤجل الأمر إلى الغد؟ أم تتركه نهائيًا؟


التقط توماس ملامح شرودها وقال بنبرة خفيفة:

ـ صوفي، كُلي… ما بكِ؟ لا تأكلين؟

أجابته بهدوء: لا شيء، فقط لستُ جائعة.

ابتسم ابتسامة قصيرة وقال: حسنًا يا عزيزتي، كُلي ولو قليلًا.


بعد دقائق، انتهوا جميعًا من العشاء.

وقبل أن يتوجهوا إلى غرفهم، وقف توماس وقال بصوت هادئ لكن حازم:

ـ جوليت، أريدك أن تأتي إلى مكتبي قبل أن تذهبي إلى غرفتك.


رمقته صوفي بنظرة استغراب لكنها لم تنطق بشيء.

أما جوليت فرفعت رأسها وقالت:

ـ لا أستطيع، عليّ أن أنام مع أخي الصغير.

ردّ توماس بنبرة صارمة:

ـ دعي الخادمة تعتني به، أريدك الآن… الموضوع مهم.


ترددت جوليت قليلًا، ثم وافقت بدافع الفضول لمعرفة ما يريده.

جاءت الخادمة وأخذت دانيال، وتبعتها جوليت بخطوات مترددة، بينما لحقت صوفي بهما وهي لا تخفي حيرتها.


دخلوا المكتب، وكان توماس واقفًا أمام نافذته، وظهره لهما.

قال بصوت منخفض:

ـ أريد أن أخبركما بأمر مهم.

سألته صوفي: وما هو يا عزيزي؟

قال وهو يلتفت ببطء:

ـ هذا الأمر يخصكِ يا جوليت فقط.


نظرت إليه جوليت باستغراب وسألت:

ـ ما هو يا توماس؟

قال توماس بهدوء:

ـ اليوم، سألتني صوفي لماذا أهتم بكِ يا جوليت.


تسمرت جوليت في مكانها، وعيناها اتسعتا دهشة.

قالت صوفي بحدة خفيفة: نعم، أردت أن أعرف السبب.

ابتسم توماس ابتسامة خفيفة وقال:

ـ حسنًا، سأخبركما الآن… لا تتعجلي يا عزيزتي.


صمت لحظة ثم قال بوضوح:

ـ أنا أريد أن أخطب جوليت.


شهقت صوفي من الصدمة:

ـ ماذا تقول؟!

ابتسم توماس وقال بسرعة:

ـ لا تقلقي يا صوفي، لستُ أنا من أريدها… بل أريد خطبتها لابن عمي.


تجمدت ملامح جوليت، لا كلمة خرجت من فمها، فقط نظرات صامتة مليئة بالذهول.

قالت صوفي بصوت مضطرب: ولماذا لم تخبرني من قبل؟

ردّ توماس مبتسمًا: أردتُ أن أجعلها مفاجأة لكِ يا عزيزتي.


تقدمت جوليت خطوة وقالت بهدوء متماسك:

ـ متى سيأتي ابن عمك؟

قال توماس: غدًا، ليتحدث معكِ، وتتعارفا.

قالت جوليت: حسنًا… عن إذنكما.


نظر توماس إليها بدهشة، لم يتوقع منها هذا الرد السريع، فهي عادةً كانت سترفض أو تُجادل، لكن هذه المرة اكتفت بموافقة باردة وغامضة.

أما صوفي، فابتسمت ابتسامة مجاملة، بينما في داخلها كانت تغلي مشاعر رفضٍ لا تفهمها حتى هي.


نهض توماس قائلًا: إذًا، هي موافقة على خطوبتها من ابن عمي.

لكن قلب صوفي كان يقول: “لا… أبدًا لا.”


ذهبت جوليت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها، وأسندت رأسها إلى الجدار تفكر:

“لماذا يا توماس؟ لماذا أنا؟ لا أريد الزواج من أحد، لكن سأجعلك تندم… أنت وابن عمك.”


ابتسمت بخبث وهي تتمتم:

“لن تمر هذه الخطوبة بسلام.”




مع إشراقة الصباح التالي، عادت الحياة إلى القصر. جلس الجميع حول مائدة الفطور، بينما جاء الطبيب ليفحص والد جوليت، لوكاس، وبدأ يشرح خطته العلاجية.


كانت ماريا، والدة جوليت، تغالب دموعها فرحًا وهي تسمع الطبيب يقول:

ـ سنبدأ العلاج من الغد، لا تقلقي، سيتحسن بإذن الله.

قال توماس بامتنان: شكرًا لك يا دكتور، نلتقي غدًا.

ابتسم الطبيب وغادر.


اقترب توماس من لوكاس وقال:

ـ تقوم بالسلامة يا لوكاس.

نظرت إليه ماريا بعينين دامعتين وقالت:

ـ شكرًا لك يا توماس.

ابتسم بلطف ثم التفت إلى صوفي وقال:

ـ صوفي، تعالي معي قليلاً.


خرجا معًا إلى الحديقة، وهناك قال لها:

ـ صوفي، أخبري أم جوليت أن ابن عمي يريد خطبة جوليت.

لم يكن يعلم أن جوليت كانت خلف الباب تسمع كل كلمة.

قالت صوفي: حسنًا، لكن ليس الآن… سأختار وقتًا مناسبًا، لا تقلق.

قال توماس: جيد، أنا ذاهب لاستقبال ابن عمي من القطار.

قالت صوفي: حسنًا.


وما إن سمعت جوليت خطوات صوفي تقترب حتى هربت مسرعة، وعادت إلى الجناح الآخر وكأن شيئًا لم يحدث.


دخلت صوفي وجلست بجانب أم جوليت، بينما كان دانيال يلعب بدمية صغيرة.

قالت جوليت ببراءة مصطنعة:

ـ ماما، أريد أن أخبركِ بشيء.

نظرت إليها صوفي بسرعة وقالت:

ـ ما هو؟

قالت جوليت: الموضوع الذي تحدثنا فيه أمس يا صوفي.

قالت صوفي بتوتر: ليس الآن.

قالت أم جوليت بفضول: ما هو الموضوع؟ هل هناك شيء تخفينه عني؟

تنهدت صوفي وقالت: تعالي معي إلى البلكونة، سأخبرك بكل شيء.


وبالفعل، أخبرتها بكل ما جرى.

فرحت ماريا كثيرًا وقالت:

ـ شكرًا لكِ يا صوفي، وشكرًا لتوماس. أتمنى أن تسير الأمور على خير. أنا سعيدة بموافقة جوليت.


أما جوليت، فكانت في غرفتها تفكر:

“كيف أُفسد هذه الخطوبة؟ الزواج ليس إجباريًا… سأجد طريقتي الخاصة.”


رفعت نظرها نحو دانيال الذي كان يلعب على السرير وقالت مازحة:

ـ دانيال، هل توافق أن أقابل ابن عم توماس؟

ردّ ببراءة: نعم!

ضحكت جوليت وقالت: إذًا موافق!


في تلك اللحظة، دخلت أمها وقالت:

ـ جوليت، لماذا لم تخبريني بما حدث؟

قالت جوليت بابتسامة هادئة: أخبروني البارحة في وقت متأخر، وقلتُ سأحدثك اليوم، لكن صوفي سبقتني.

قالت أمها: وما رأيك؟

قالت جوليت بخجل مصطنع: لا مانع عندي من حيث المبدأ، لكن أريد أن أتعرف عليه أولًا.

قالت صوفي: سيأتي بعد قليل، أريدك أن تجهزي نفسكِ جيدًا.

قالت جوليت: حسنًا، أريد أن أستعد وحدي.


خرجت ماريا من الغرفة وهي تحمل دانيال، وبقيت جوليت أمام المرآة، تحدق في وجهها وتهمس:

“لن تمر هذه المقابلة كما يتوقعون… سأقلب الطاولة على الجميع.”




يا ترى، ماذا تخبئ جوليت؟

هل سيكون ابن عم توماس طيبًا كما يتوقعون؟

ولماذا ترفض صوفي هذه الخطوبة في قلبها؟

هل ستكتشف أم جوليت نوايا ابنتها؟

وهل سيتفاجأ توماس بما سيحدث؟


كل هذا وأكثر… في الجزء الثامن.



تعليقات